ابن كثير
354
قصص الأنبياء
ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك : " وحنانا من لدنا " أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد . وعن عكرمة : " وحنانا " أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه ، وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما . وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل . والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره . ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال : " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " ثم قال : " وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا " هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الانسان ، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر ، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدرى ما بين يديه ، ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها ! وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار ، وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور ، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور ، فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور ، وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير ! ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول : ولدتك أمك باكيا مستصرخا * والناس حولك يضحكون سرورا فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا * في يوم موتك ضاحكا مسرورا